حق استبدال الدواء: رافعة لاستمرارية العلاج وليس منافسة بين المهن

بقلم الدكتور محمد لحبابي، رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب
في الوقت الذي ينخرط فيه نظامنا الصحي في إصلاح هيكلي طموح، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح:
لماذا يُحرم الصيدلي المغربي من إمكانية ضمان استمرارية علاج المريض عندما يكون الدواء الموصوف غير متوفر؟
الاستبدال الدوائي ليس امتيازاً مهنياً يُطالب به الصيدلي، بل هو واجب صحي ووطني وعمل مسؤول في خدمة المريض والمجتمع.
أولاً: تناقض يجب تصحيحه
يواجه الصيدلي المغربي يومياً وضعيات معقدة حين يتعذر تزويد المريض بالدواء الموصوف بسبب انقطاعه من السوق.
لكن المادة 27 من مدونة آداب مهنة الصيدلة (المرسوم رقم 2-63-486) تمنعه من أي تعديل في الوصفة الطبية دون موافقة الطبيب، حتى في الحالات الاستعجالية.
في المقابل، تنص القانون رقم 17-04 المتعلق بالدواء والصيدلة على أن مهمة الصيدلي هي تحليل الوصفة، وصرف الدواء، وتوعية المريض وتقديم النصح له.
أما دستور المملكة، في مادته 31، فيؤكد على حق كل مواطن في الصحة واستمرارية العلاج.
من هنا، يصبح من الضروري تحديث الإطار القانوني والمهني بما ينسجم مع الواقع العملي ويُمكّن الصيدلي من أداء دوره في الاستبدال وفق ضوابط دقيقة وواضحة.
ثانياً: إصلاح ينسجم مع توجهات الدولة
أطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية مشروع إنشاء الدليل الوطني للأدوية الجنيسة، وفق معايير صارمة تتعلق بالتكافؤ الحيوي والمراقبة الصيدلانية.
ويُعد هذا الدليل الركيزة الأساسية لاعتماد نظام استبدال آمن وشفاف.
هذه الخطوة ليست مطلباً نقابياً ضيقاً، بل تندرج في إطار السياسة الوطنية للسيادة الصحية، وتتوافق مع توصيات منظمة الصحة العالمية، ومع التجارب الدولية الناجحة في دول مثل فرنسا وبلجيكا وكندا، حيث أثبت الاستبدال الدوائي أنه أداة فعالة لضمان استمرارية العلاج وترشيد نفقات الصحة.
ثالثاً: الرد على التحفظات بحجج علمية
يعبّر بعض الأطباء عن تخوفهم من جودة الأدوية الجنيسة، مع أن هذه الأدوية نفسها تُوصف يومياً في وصفاتهم الطبية.
فالمرسوم رقم 2-17-429 يُلزم كل دواء جنيس بإثبات تكافئه الحيوي قبل الترخيص لتسويقه، أي أن وزارة الصحة لا تسمح بتداول أي دواء دون مراقبة علمية دقيقة.
إن التشكيك في هذه المعايير لا يسيء فقط إلى الدواء الجنيس، بل يضعف ثقة المواطن في المنظومة الصحية بأكملها.
إن رفض الاستبدال لا يحمي المريض بل يعرضه لقطع العلاج، خصوصاً عندما يتعذر التواصل مع الطبيب، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، في وقت ظلت فيه الصيدليات مفتوحة 24 ساعة على 24 لخدمة المواطنين في جميع أنحاء البلاد.
رابعاً: الصيدلي… مهني تحت الضغط، لكنه وفيّ لرسالته
رغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي يعيشها القطاع، وخاصة مع مراجعة أسعار الأدوية وانخفاض هامش الربح، فإن الصيدلي المغربي يظل مخلصاً لرسالته الأساسية: خدمة المريض أولاً.
الاستبدال الدوائي لا يزيد من دخل الصيدلي، بل قد يقلله أحياناً، لكنه يؤمن بأنه يخفف العبء المالي عن الأسر، ويضمن استمرارية العلاج، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الطبيب.
فالصيدلي ليس منافساً للطبيب، بل شريك في مسار الرعاية الصحية، يتكامل معه من أجل مصلحة المريض.
خامساً: نحو إطار قانوني مغربي واضح ومسؤول
تدعو كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب إلى إصلاح واقعي ومتدرج يقوم على أربع ركائز أساسية:
- مرسوم تطبيقي جديد يُحدث استثناءً منظماً في المادة 27 من مدونة آداب المهنة، يسمح بالاستبدال ضمن ضوابط محددة.
- تفعيل الدليل الوطني للأدوية الجنيسة وجعله مرجعاً رسمياً ملزماً علمياً.
- اتفاقية مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) للاعتراف بالفعل المهني للاستبدال وتعويضه بشكل منصف.
- حملة وطنية توعوية موجهة إلى المهنيين والمواطنين لتوضيح أهداف وآليات الاستبدال وضماناته.
سادساً: خاتمة – من أجل ثقة متبادلة وخدمة المريض
الاستبدال الدوائي لا ينتقص من مكانة الطبيب، بل يعزز حلقة الثقة بين الطبيب والصيدلي والمريض.
إنه عمل من أجل المصلحة العامة، ووسيلة لترسيخ العدالة الصحية وضمان الأمن الدوائي للمواطن المغربي.
لقد حان الوقت لأن نرتقي إلى مستوى التحديات، ونُكرّس ثقافة التعاون لا التنافس، والثقة لا الشك.
ولنطرح السؤال الجوهري:
لمن تفيد اليوم مخاوف البعض من الدواء الجنيس، إن لم تكن على حساب حق المواطن في العلاج؟
