حين تسحق الجرافات مملكة المتلاشيات بالسالمية

مجرد رأي
الدروة24 مصطفى المستقيم
لم يكن هدم لافيراي السالمية مجرد جرف لأكوام من الحديد الصدئ بل كان انفجارا مدويا هز أركان أكبر إمبراطورية للاقتصاد غير المهيكل في المغرب. هي مواجهة شرسة وضعت هيبة الدولة وجها لوجه أمام صرخات آلاف الأسر التي كانت ترى في ذلك الركام شريان حياة لا يعوض.
من منظور السلطة لا مكان للعشوائية في مغرب التحديث. لافيراي السالمية تحول بمرور السنين إلى غابة إسمنتية وحديدية خارجة عن السيطرة، بؤرة سوداء يختلط فيها الرزق الحلال بتجارة القطع المسروقة، وتغيب فيها أدنى شروط السلامة. الهدم هنا ليس فعلا عدوانيا بل هو جراحة ضرورية لاستئصال الفوضى وفرض منطق القانون على فضاء ظل لسنوات دولة داخل الدولة.
خلف غبار الهدم تختبئ مأساة إنسانية عميقة. لافيراي لم يكن مجرد سوق بل كان شبكة أمان اجتماعي تحتضن آلاف الحرفيين والعمال الذين لفظهم سوق الشغل الرسمي. هؤلاء الجنود المجهولون في اقتصاد التدوير وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة العراء المهني. القرار الذي يراه المسؤولون تنظيما يراه الحرفي قطعا للأرزاق وتشريدا لآلاف القصص التي كانت تقتات من بين ثنايا الخردة.
الشظايا أصابت جيب المواطن البسيط أيضا. لافيراي السالمية كان قبلة الهروب من نار أسعار قطع الغيار الجديدة. اليوم ومع اختفاء هذا الملاذ يواجه أصحاب السيارات شبح الغلاء وعبء البحث عن بدائل بعيدة، مما يفتح الباب على مصراعيه لنمو أسواق سوداء أكثر خطورة وأقل تنظيما.
المعضلة الكبرى ليست في إزالة العشوائيات بل في العجز عن تقديم البديل الكرامي. إن تجارب العالم تؤكد أن الجرافات لا تصنع نظاما إذا لم تكن مدفوعة بخطط إدماج حقيقية. إن تدمير الاقتصاد غير المهيكل دون استيعاب طاقاته البشرية هو مجرد ترحيل للأزمة لا حل لها.