
بقلم المحاجري أميمة
رغم الأزمات التي تواجهه، لا يزال المسرح العربي يحافظ على دوره بوصفه منبرًا للوعي والإبداع وصناعة التغيير.لطالما كان المسرح أحد أهم أشكال التعبير الثقافي في العالم العربي، إذ لم يقتصر دوره على تقديم العروض الفنية، بل تحول إلى منصة لمناقشة قضايا المجتمع والسياسة والهوية والإنسان. فمنذ بدايات النهضة العربية وحتى اليوم، ظل المسرح مرآةً تعكس واقع الشعوب، وتطرح أسئلة جريئة حول الحرية والعدالة والتعليم والمرأة والشباب.وقد شهدت عدة دول عربية تجارب مسرحية تركت بصمة واضحة في تاريخ الفن العربي. ففي مصر، أسهمت أعمال توفيق الحكيم في تطوير المسرح العربي من خلال مسرحيات مثل أهل الكهف والسلطان الحائر، اللتين ناقشتا قضايا السلطة والحرية والصراع الفكري. كما نجح يوسف إدريس في نقل هموم الإنسان البسيط إلى خشبة المسرح بأسلوب واقعي قريب من الجمهور.وفي سوريا، ارتبط المسرح باسم سعد الله ونوس، الذي آمن بأن المسرح وسيلة للتغيير الاجتماعي، وقدم أعمالًا مثل حفلة سمر من أجل 5 حزيران، التي أثارت نقاشًا واسعًا حول الواقع العربي بعد هزيمة عام 1967، لتصبح واحدة من أبرز المسرحيات السياسية في العالم العربي.

أما في الجزائر، فقد استطاع عبد القادر علولة أن يمزج بين التراث الشعبي واللغة اليومية، مقدمًا عروضًا تناولت هموم المواطن وقضايا العدالة الاجتماعية، بينما عرف المغرب ازدهارًا للحركة المسرحية من خلال فرق مستقلة ومهرجانات ساهمت في تشجيع الإنتاج المسرحي واكتشاف المواهب.وفي الخليج العربي، شهد المسرح تطورًا ملحوظًا، خاصة في الكويت التي قدمت أعمالًا اجتماعية وكوميدية تركت أثرًا كبيرًا في ذاكرة الجمهور العربي، من بينها مسرحية باي باي لندن التي تناولت قضايا المجتمع الخليجي بأسلوب ساخر، وشارك في بطولتها عبد الحسين عبد الرضا، أحد أبرز رواد المسرح الخليجي.
ولم يقتصر حضور المسرح العربي على الإنتاج المحلي، بل دعمت المهرجانات هذا الفن وأسهمت في تبادل الخبرات بين الفنانين. ومن أبرز هذه الفعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ومهرجان المسرح العربي، اللذان يستقطبان عروضًا من مختلف الدول العربية، ويشكلان فضاءً للحوار حول واقع المسرح ومستقبله.ورغم هذا الإرث الثقافي، يواجه المسرح العربي تحديات عديدة، من أبرزها تراجع الدعم المالي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والمنافسة الشديدة من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تستحوذ على اهتمام فئات واسعة من الجمهور، خصوصًا الشباب. كما تعاني بعض الفرق المسرحية من محدودية فضاءات العرض وضعف التسويق للأعمال الفنية.ومع ذلك، أثبتت تجارب عربية حديثة أن المسرح لا يزال قادرًا على استعادة جمهوره عندما يقدم نصوصًا تلامس الواقع وتعالج قضايا معاصرة مثل البطالة والهجرة والهوية والعنف الأسري والذكاء الاصطناعي وتأثير التكنولوجيا على الإنسان.
فكلما اقترب المسرح من هموم الناس، ازداد حضوره وتأثيره.ويبقى المسرح العربي أكثر من مجرد فن للترفيه؛ فهو مدرسة للفكر، ومنصة للحوار، وجسر يربط الماضي بالحاضر. إن الاستثمار في هذا القطاع، ودعم المواهب الشابة، وتشجيع الكتابة المسرحية، كفيل بأن يمنح المسرح العربي فرصة جديدة ليواصل أداء رسالته الثقافية والإنسانية في بناء مجتمع أكثر وعيًا وإبداعًا.
