لماذا أصبحنا نعيش حياة نؤجلها؟

بقلم أميمة الماجري


حين يتحول «غدًا» إلى أسلوب حياة
نستيقظ كل صباح ولدينا قائمة طويلة من الأشياء التي نريد القيام بها: مشروع نؤجله، قرار نخشى اتخاذه، حلم نقول إن وقته لم يحن بعد، ومكالمة نؤجلها لأننا «سنفعلها لاحقًا». وبين «غدًا» و«الأسبوع القادم» و«عندما تتحسن الظروف»، تمر الأيام بهدوء… حتى نكتشف أننا أصبحنا نؤجل حياتنا نفسها.
لم يعد التأجيل مجرد عادة بسيطة مرتبطة بالكسل. في كثير من الأحيان، هو نتيجة خوف غير معلن: الخوف من الفشل، من الخطأ، من نظرة الآخرين، أو حتى من النجاح وما قد يفرضه علينا من مسؤوليات جديدة.
لماذا نؤجل ما نريده فعلًا؟
قد يبدو غريبًا أن يعرف الإنسان ما يريد، ثم يفعل كل شيء تقريبًا باستثناء البدء. لكنه سلوك شائع جدًا.
أحيانًا ننتظر «اللحظة المثالية»: المال الكافي، الوقت المناسب، الوظيفة الأفضل، الشخص المناسب أو حتى المزاج المناسب. المشكلة أن هذه اللحظة قد لا تأتي أبدًا.
فنحن لا نؤجل القرار لأننا لا نعرف ماذا نريد بالضرورة، بل لأن اتخاذ القرار يعني التخلي عن احتمالات أخرى. وعندما نختار طريقًا، نصبح مسؤولين عن نتائجه، وهذا ما يجعل بعض الأشخاص يشعرون براحة مؤقتة في البقاء مكانهم.
الهاتف… ملجأ من القرارات؟
في عصر الهاتف الذكي، أصبح الهروب أسهل من أي وقت مضى.
دقائق قليلة على مواقع التواصل قد تتحول إلى ساعة كاملة. فيديو وراء فيديو، منشور وراء منشور، حتى يجد الإنسان نفسه قد استهلك جزءًا كبيرًا من يومه دون أن يقترب خطوة واحدة من الشيء الذي كان يريد إنجازه.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في استخدامها أحيانًا كوسيلة للهروب من الملل أو القلق أو المسؤولية.
نحن لا نفتح الهاتف دائمًا لأن لدينا شيئًا مهمًا نبحث عنه؛ أحيانًا نفتحه لأننا لا نريد مواجهة أفكارنا.
«عندما أكون مستعدًا»… الجملة التي تؤجل الأحلام
كم من شخص قال: «سأبدأ عندما أصبح مستعدًا»؟
لكن الاستعداد الكامل نادرًا ما يأتي قبل البداية.
الكاتب لا يصبح كاتبًا لأنه انتظر حتى تختفي كل مخاوفه، والمشروع لا يبدأ لأن صاحبه أصبح واثقًا بنسبة مئة في المئة، والحياة لا تتغير بمجرد أن نشعر أننا أصبحنا جاهزين.
في كثير من الأحيان، تأتي الثقة بعد المحاولة وليس قبلها.
ولهذا قد يكون أكبر خطأ نرتكبه هو انتظار نسخة مثالية من أنفسنا حتى نبدأ.
ماذا نخسر عندما نؤجل؟
التأجيل لا يسرق منا الوقت فقط، بل قد يسرق فرصًا كاملة.
قد تمر سنوات قبل أن ندرك أن الشيء الذي كنا نخاف منه لم يكن مخيفًا إلى ذلك الحد، وأن القرار الذي اعتبرناه مستحيلًا كان يحتاج فقط إلى خطوة أولى.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يعتاد التأجيل حتى يصبح جزءًا من شخصيته: «أنا هكذا»، «لا أعرف كيف أبدأ»، «دائمًا أتردد».
وهنا يتحول التأجيل من سلوك مؤقت إلى أسلوب حياة.
هل المشكلة أننا نريد حياة مثالية؟
ربما.
نحن نعيش في زمن يعرض علينا الآخرين في أفضل لحظاتهم: نجاحاتهم، سفرهم، مشاريعهم، أجسادهم، علاقاتهم وإنجازاتهم. ومع كثرة المقارنة، أصبح الإنسان يشعر أن عليه أن يبدأ فقط عندما يكون قادرًا على تقديم نتيجة مثالية.
لكن الواقع مختلف.
معظم الإنجازات الكبيرة بدأت بشكل صغير، غير مكتمل، وربما مرتبك.
لا أحد يبدأ وهو يعرف كل شيء.
ربما نحتاج إلى تغيير السؤال
بدل أن نسأل أنفسنا: «متى سأصبح مستعدًا؟»، ربما علينا أن نسأل:
«ما أصغر خطوة أستطيع القيام بها اليوم؟»
قد تكون إرسال رسالة، كتابة صفحة، البحث عن فرصة، التسجيل في دورة، تقديم طلب عمل أو حتى الاعتراف لأنفسنا بأننا نريد شيئًا مختلفًا.
الحياة لا تتغير دائمًا بقرارات ضخمة. أحيانًا تبدأ بتصرف صغير جدًا، لكنه يكسر دائرة الانتظار.
في النهاية…
ربما لا نحتاج إلى يوم جديد كي نبدأ حياة جديدة.
ربما نحتاج فقط إلى التوقف عن انتظار الحياة المثالية.
فالغد الذي نقول عنه «سأبدأ فيه» سيصبح يومًا من أيام الأمس، إذا لم نفعل شيئًا اليوم.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: «ماذا سأفعل غدًا؟»
بل:
«ماذا سأفعل اليوم حتى لا أندم على أنني انتظرت كثيرًا؟»