هل نحن فعلًا مشغولون… أم نهرب من أنفسنا؟

بقلم أميمة الماجري


في زمن أصبحت فيه كلمة «مشغول» جزءًا ثابتًا من يومنا، يبدو الانشغال وكأنه دليل على النجاح، وكأن الشخص الذي لا يملك وقتًا لنفسه هو الأكثر إنجازًا وأهمية.
نستيقظ على الهاتف، ننتقل بين الرسائل والمكالمات والعمل، نملأ أوقات الفراغ بمقاطع الفيديو والتصفح، ونبحث دائمًا عن شيء نفعله. حتى لحظات الانتظار لم تعد فارغة؛ هناك دائمًا شاشة في أيدينا.
لكن وسط كل هذا الانشغال، يظل سؤال بسيط يستحق أن نتوقف أمامه:


هل نحن فعلًا مشغولون… أم أننا نهرب من الجلوس مع أنفسنا؟
عندما يصبح الصمت مزعجًا
هناك أشخاص يشعرون بالتوتر بمجرد أن يجدوا أنفسهم دون عمل أو هاتف أو أشخاص من حولهم. وكأن الهدوء يفتح بابًا لأفكار حاولوا طويلًا إغلاقه.
في لحظة الصمت، قد تظهر أسئلة مؤجلة:
هل أنا سعيد فعلًا؟
هل أنا في المكان الذي أريده؟
لماذا أشعر بالتعب رغم أنني لم أفعل شيئًا مهمًا اليوم؟
هل هذه الحياة التي اخترتها، أم الحياة التي اعتدت عليها؟
ولهذا قد يكون الانشغال أحيانًا وسيلة للهروب، وليس مجرد نتيجة لكثرة المسؤوليات.
نحن لا نهرب دائمًا من الآخرين
أحيانًا نهرب من أنفسنا.
نهرب من قرار نعرف أننا يجب أن نتخذه، أو من علاقة لم تعد تشبهنا، أو من حلم نخشى أن نفشل فيه، أو من حقيقة لا نريد الاعتراف بها.
فنملأ الوقت بأي شيء.
نفتح الهاتف بلا هدف، ننتقل من تطبيق إلى آخر، نبحث عن مسلسل جديد، نخرج دون رغبة حقيقية في الخروج، أو نغرق في العمل حتى لا نضطر إلى التفكير.
المشكلة أن كل هذه الأشياء تمنحنا راحة مؤقتة، لكنها لا تحل ما نحاول الهروب منه.


الانشغال ليس دائمًا إنجازًا
قد يبدو يومنا ممتلئًا، لكن امتلاء اليوم لا يعني بالضرورة أن حياتنا تتحرك إلى الأمام.
يمكن أن نقضي ساعات طويلة في أشياء كثيرة دون أن نقترب خطوة واحدة من الشيء الذي نريده حقًا.
فالإنجاز ليس أن يكون جدولنا مزدحمًا، وإنما أن يكون لما نفعله معنى.
وأحيانًا يكون أكثر ما نحتاج إليه ليس مهمة جديدة نضيفها إلى قائمة اليوم، بل مساحة فارغة نسمح فيها لأنفسنا بالتفكير.
ماذا يحدث عندما نتوقف؟
في البداية قد نشعر بالملل.
ثم يبدأ العقل في استعادة الأشياء التي دفناها تحت طبقات من الانشغال.
قد نتذكر شخصًا اشتقنا إليه، حلمًا تركناه، قرارًا نؤجله، أو حتى أنفسنا القديمة التي لم نعد نعرفها جيدًا.
وهنا يبدأ الشيء الأصعب والأهم: المواجهة.
مواجهة ما نشعر به بدلًا من إسكاته.
ومعرفة ما نريده بدلًا من الاستمرار في فعل ما اعتدنا عليه.
ربما لا نحتاج إلى حياة أكثر انشغالًا
ربما نحتاج إلى حياة أكثر وضوحًا.
ليس المطلوب أن نترك أعمالنا ومسؤولياتنا أو أن نبحث عن الفراغ طوال الوقت. فالانشغال الحقيقي جزء طبيعي من الحياة.
لكن من المهم أن نعرف الفرق بين أن تكون مشغولًا لأن لديك ما يستحق وقتك، وأن تكون مشغولًا لأنك تخشى أن تمنح نفسك لحظة
واحدة للتفكير.


في النهاية، قد يكون أصعب موعد نؤجله هو موعدنا مع أنفسنا.
وقد نكتشف أن المشكلة لم تكن أننا لا نملك وقتًا…
بل أننا كنا نملك الوقت، لكننا لم نكن نعرف ماذا سنفعل بأنفسنا عندما يتوقف كل شيء.
وربما لهذا السبب، نحتاج أحيانًا إلى أن نغلق الهاتف، نبتعد قليلًا عن الضجيج، ونسأل أنفسنا بهدوء:
«لو لم يكن لدي شيء أفعله الآن… ماذا سأشعر؟»
الإجابة قد تكون بداية فهم أشياء كثيرة في حياتنا. دك