
بقلم أميمة الماجري
بين غياب الخبرة وقلة الفرص… حين يصبح الحصول على وظيفة أولى تحديًا بحد ذاته
بعد سنوات من الدراسة، يصل الشاب إلى لحظة يفترض أن تكون بداية حياته المهنية: يبحث عن وظيفة، يرسل سيرته الذاتية، يتقدم إلى عروض العمل، وينتظر مكالمة قد تغيّر مساره. لكن بالنسبة إلى كثير من الشباب، تتحول هذه البداية إلى رحلة طويلة من الانتظار والرفض والأسئلة.
المفارقة التي يعيشها كثير من الباحثين عن العمل بسيطة في ظاهرها ومُعقدة في حقيقتها: كيف يمكن الحصول على الخبرة إذا كانت أغلب الوظائف تطلب خبرة مسبقة؟
الخبرة… الحاجز الأول
من أكثر العقبات التي تواجه الشباب في بداية المسار المهني اشتراط الخبرة. فحتى الوظائف التي تبدو موجهة للمبتدئين قد تتضمن قائمة طويلة من المهارات والسنوات المطلوبة.
وهنا يجد الشاب نفسه أمام دائرة مغلقة: المؤسسات تبحث عن شخص لديه خبرة، بينما يحتاج الشاب إلى مؤسسة تمنحه الفرصة حتى يكتسب تلك الخبرة.
ولهذا أصبحت التدريبات، والتربصات، والعمل التطوعي، والمشاريع الشخصية وسائل مهمة لكسر هذا الحاجز، لكنها لا تكون متاحة للجميع بالقدر نفسه.
الدراسة وحدها لم تعد كافية
الحصول على شهادة جامعية لم يعد يعني بالضرورة الحصول على وظيفة مباشرة. سوق العمل يتغير بسرعة، والمؤسسات تبحث بشكل متزايد عن مهارات عملية إلى جانب الشهادة.
اللغات، التواصل، العمل الجماعي، استخدام الأدوات الرقمية، القدرة على حل المشكلات، والتكيف مع بيئة العمل أصبحت عناصر يمكن أن تؤثر في قرار التوظيف.
وهذا لا يعني أن الشهادة فقدت قيمتها، وإنما يعني أن الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل أصبح يحتاج إلى إعداد مختلف وأكثر ارتباطًا بالواقع المهني.
سوق عمل شديد المنافسة
لا يواجه الشاب منافسة من أبناء جيله فقط، بل يدخل أحيانًا في منافسة مع أشخاص لديهم سنوات من الخبرة أو مهارات متخصصة.
ومع انتشار منصات التوظيف والعمل عن بعد، أصبح الوصول إلى الوظائف أسهل من الناحية التقنية، لكن عدد المتقدمين على بعض الفرص ارتفع أيضًا.
لذلك قد يرسل الشاب عشرات أو حتى مئات الطلبات دون أن يحصل على فرصة مقابلة، وهو ما يمكن أن يجعله يشعر بأن المشكلة في قدراته، بينما قد تكون المسألة مرتبطة ببساطة بقوة المنافسة أو محدودية الوظائف المتاحة.
عندما يتحول الرفض إلى إحباط
أصعب ما في البحث عن أول وظيفة ليس دائمًا الجانب المادي، بل التأثير النفسي للانتظار المتكرر.
كل طلب عمل دون رد، وكل مقابلة تنتهي بالرفض، يمكن أن يترك شعورًا بالإحباط، خصوصًا عندما يرى الشاب أشخاصًا من حوله يحققون خطوات مهنية أسرع.
ومع مرور الوقت، قد يتحول السؤال من «متى سأجد وظيفة؟» إلى «هل أنا غير مؤهل أصلًا؟»
وهنا تكمن خطورة البطالة أو طول فترة البحث عن العمل: فهي لا تؤثر فقط على الدخل، وإنما يمكن أن تؤثر أيضًا على الثقة بالنفس والنظرة إلى المستقبل.
هل المشكلة في الشباب فقط؟
من السهل تحميل الشباب مسؤولية عدم حصولهم على العمل، والقول إن عليهم تطوير مهاراتهم أو تحسين سيرهم الذاتية. لكن المشكلة أكبر من ذلك.

هناك أيضًا مسؤولية على المؤسسات التعليمية في تقريب الطالب من سوق العمل، وعلى الشركات في توفير فرص حقيقية للمبتدئين، وعلى السياسات العامة في خلق بيئة قادرة على إنتاج وظائف مستدامة.
فلا يمكن أن نطلب من جيل كامل أن يمتلك خبرة قبل أن يحصل على فرصته الأولى.
الفرصة الأولى ليست مجرد وظيفة
الحصول على أول عمل لا يعني فقط الحصول على راتب. إنها لحظة يتعلم فيها الشاب كيف يعمل داخل مؤسسة، ويتعامل مع المسؤوليات، ويكتشف نقاط قوته وضعفه، ويبني شبكة علاقاته المهنية.
لذلك فإن منح الشباب فرصًا حقيقية في بداية الطريق يمكن أن يكون استثمارًا في المستقبل، وليس مجرد مساعدة مؤقتة.
في النهاية، يحتاج الشباب إلى أكثر من نصيحة تقول لهم «طوّروا أنفسكم». يحتاجون إلى أبواب تُفتح فعلًا، وإلى مؤسسات تؤمن بأن الإنسان لا يولد بخبرة، وإنما يكتسبها عندما يحصل على فرصة.
فربما يكون السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يملك الشباب الخبرة؟ بل: من سيمنحهم الفرصة الأولى التي تسمح لهم بصناعتها؟
