مستقبل التلفزيون أمام المنصات الرقمية: هل انتهى عصر الشاشة التقليدية؟

بقلم أميمة الماجري
لسنوات طويلة، كان التلفزيون يحتل موقعًا مركزيًا في حياة الجمهور. نشرات الأخبار، البرامج الحوارية، المسلسلات، المباريات والبرامج الترفيهية كانت مواعيد ينتظرها المشاهد ويضبط يومه وفق توقيتها. لكن المشهد الإعلامي تغير بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة، مع صعود YouTube وTikTok وInstagram ومنصات البث الرقمي.
اليوم لم يعد المشاهد مضطرًا إلى انتظار الساعة الثامنة لمتابعة الأخبار، أو الساعة التاسعة لمشاهدة برنامجه المفضل. الهاتف أصبح شاشة متنقلة ترافقه في كل مكان، والمحتوى أصبح متاحًا في أي وقت وبضغطة واحدة.
فهل يعني ذلك أن التلفزيون يتجه إلى النهاية؟ أم أن الشاشة التقليدية قادرة على إعادة اختراع نفسها؟
من «ماذا نشاهد؟» إلى «متى نشاهد؟»
أحد أكبر التغييرات التي أحدثتها المنصات الرقمية هو انتقال الجمهور من نموذج المشاهدة الجماعية أو المحددة بوقت إلى نموذج المشاهدة حسب الطلب.


في التلفزيون التقليدي، تحدد القناة البرنامج وموعد عرضه، بينما يقرر المشاهد ما إذا كان سيشاهده. أما المنصات الرقمية، فقد قلبت المعادلة: المشاهد هو الذي يختار المحتوى والوقت والمكان والجهاز.
هذه الحرية جعلت الجمهور، وخصوصًا الشباب، أكثر ارتباطًا بالمحتوى الرقمي.
الشباب يغيّرون قواعد اللعبة
لا يتعلق الأمر فقط بالتكنولوجيا، بل بتغير سلوك الجمهور.
الجيل الجديد يريد محتوى سريعًا، مباشرًا وقابلًا للمشاركة. يستطيع المستخدم مشاهدة فيديو مدته أقل من دقيقة، ثم الانتقال إلى موضوع آخر، ثم العودة لاحقًا إلى محتوى مختلف تمامًا.
وفي المقابل، يحتاج التلفزيون التقليدي إلى وقت أطول لإنتاج برامجه وإعداد حلقاته، كما أن البث المباشر يفرض على المشاهد الالتزام بوقت محدد.
لكن التلفزيون يمتلك نقطة قوة لا يمكن تجاهلها: المصداقية والقدرة على إنتاج محتوى احترافي واسع النطاق، خصوصًا في الأخبار والحوارات والبرامج الكبرى.
عندما أصبحت القنوات التلفزيونية رقمية
لم يعد التلفزيون والإنترنت عالمين منفصلين.
معظم القنوات التلفزيونية اليوم تمتلك مواقع إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل، وتنشر مقتطفات من برامجها على YouTube وFacebook وInstagram وTikTok.
بل إن بعض البرامج أصبحت تُصمم منذ البداية لكي تعمل على أكثر من منصة.
فالحلقة التلفزيونية قد تتحول إلى مقاطع قصيرة، واقتباسات، وفيديوهات خلف الكواليس، ومقاطع مخصصة لمنصات التواصل.
وهنا تظهر فكرة جديدة: القناة لم تعد مجرد شاشة، بل أصبحت علامة إعلامية متعددة المنصات.
هل يستطيع TikTok منافسة التلفزيون؟
السؤال لم يعد افتراضيًا.
TikTok والمنصات المشابهة نجحت في جذب ملايين المستخدمين بفضل خوارزميات تقترح المحتوى وفق اهتمامات كل شخص.
لكن المنصات الرقمية لا تقدم دائمًا البديل الكامل عن التلفزيون.
فإنتاج تحقيق صحفي طويل، أو تغطية انتخابات، أو حدث رياضي كبير، أو برنامج حواري يستضيف شخصيات متعددة، يحتاج إلى فرق صحفية وتقنية واستوديوهات وموارد لا تتوفر بسهولة لدى صانع محتوى منفرد.
لذلك قد لا تكون المعركة بين «التلفزيون» و«الإنترنت» معركة إلغاء أحدهما للآخر، وإنما معركة على طريقة توزيع المحتوى والوصول إلى الجمهور.
الصحافي في قلب التحول
هذا التغيير ينعكس بشكل مباشر على مهنة الصحافة.
الصحافي التلفزيوني لم يعد مطالبًا فقط بإعداد التقرير وقراءة النص أمام الكاميرا، بل أصبح من المفيد أن يمتلك مهارات التصوير والمونتاج وإدارة وسائل التواصل وفهم طبيعة الجمهور الرقمي.
الصحافي الناجح في المستقبل قد يكون قادرًا على إعداد تحقيق تلفزيوني، ثم اختصاره إلى فيديو قصير، وتحويله إلى مقال، ثم مناقشته في بث مباشر.
أي أن الصحافي يتحول تدريجيًا من شخص يعمل داخل منصة واحدة إلى صحافي متعدد المنصات.
هل ستختفي نشرات الأخبار؟
رغم التراجع النسبي في الاعتماد على التلفزيون للحصول على الأخبار لدى بعض الفئات، فإن الأخبار التلفزيونية لا تزال تتمتع بأهمية كبيرة، خصوصًا خلال الأحداث الكبرى والأزمات والكوارث والانتخابات.


لكن شكل النشرة نفسها قد يتغير.
قد يصبح المشاهد قادرًا على متابعة الخبر العاجل عبر هاتفه، ثم مشاهدة تحليل أعمق على التلفزيون، ثم العودة إلى المنصة الرقمية لمشاهدة مقابلة كاملة.
وهكذا يصبح التلفزيون جزءًا من رحلة إعلامية تبدأ على الهاتف وقد تنتهي على شاشة كبيرة.
معركة جديدة: جذب الانتباه
في الماضي كان التحدي الرئيسي أمام القنوات هو الحصول على المشاهدين.
أما اليوم، فأصبح التحدي الأكبر هو الاحتفاظ بانتباههم.
المشاهد أمام آلاف الخيارات. وإذا لم يجذبه البرنامج خلال الدقائق الأولى، يمكنه الانتقال فورًا إلى منصة أخرى.
لهذا أصبحت العناوين والصورة المصغرة وطريقة تقديم المعلومة وسرعة الإيقاع عناصر أساسية في صناعة المحتوى.
الذكاء الاصطناعي يدخل إلى المشهد
التحول الرقمي لا يتوقف عند مواقع التواصل.
الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل تدريجيًا إلى صناعة الإعلام، من المساعدة في تحليل البيانات وتفريغ المقابلات إلى اقتراح الأفكار وترجمة المحتوى وإنتاج بعض المواد المساندة.
لكن استخدام هذه الأدوات يطرح سؤالًا مهمًا: أين ينتهي دور التكنولوجيا ويبدأ دور الصحافي؟
الإجابة تبدو واضحة: التكنولوجيا يمكن أن تساعد الصحافي، لكنها لا تعفيه من التحقق من المعلومات، وفهم السياق، وطرح الأسئلة الصحيحة، وتحمل المسؤولية المهنية والأخلاقية.
التلفزيون الذي يرفض التغيير قد يخسر جمهوره
المشكلة ليست في وجود الإنترنت بحد ذاته، وإنما في رفض التغيير.
القنوات التي تتمسك بنموذج واحد للمشاهدة قد تجد نفسها أمام جمهور يتقلص تدريجيًا، بينما القنوات التي تفهم عادات المشاهد الجديدة يمكنها تحويل التغيير إلى فرصة.
فالمنافسة لم تعد بين جهاز التلفزيون والهاتف، بل بين كل مؤسسة إعلامية وكل المحتوى الموجود أمام المشاهد.
ماذا ينتظرنا في السنوات المقبلة؟
من المرجح أن يصبح الحد الفاصل بين التلفزيون والمنصات الرقمية أكثر ضبابية.


قد نشاهد برامج تلفزيونية تُبث مباشرة على الإنترنت في الوقت نفسه، ومقاطع رقمية تنتقل لاحقًا إلى البرامج التلفزيونية، ومحتوى تفاعلي يسمح للجمهور بالمشاركة في النقاش بدل الاكتفاء بالمشاهدة.
وقد يصبح السؤال في المستقبل ليس: «هل تشاهد التلفزيون؟» وإنما: «أين تشاهد المحتوى الذي تنتجه القناة؟»
التلفزيون لن يموت… لكنه سيتغير
قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية التلفزيون.
الأقرب إلى الواقع أن التلفزيون التقليدي سيخسر جزءًا من هيمنته، لكنه سيبقى حاضرًا إذا تمكن من تطوير أدواته وفهم جمهوره.
المستقبل لن يكون بالضرورة للتلفزيون وحده، ولا للمنصات الرقمية وحدها، وإنما للمؤسسات الإعلامية التي تستطيع الجمع بين قوة التلفزيون وسرعة الإنترنت.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة حول الشاشة التي نستخدمها، بل حول القصة التي تستحق أن نشاهدها.
فالجمهور تغير، والتكنولوجيا تغيرت، وطريقة استهلاك الأخبار تغيرت… ولذلك فإن الإعلام الذي يريد البقاء لن يكون أمامه خيار سوى أن يتغير أيضًا.
إذا أردتِ، أستطيع أن أحوّل هذا إلى نسخة أقوى بكثير كتحقيق صحفي احترافي، مع إحصائيات حديثة عن مشاهدة التلفزيون وTikTok وYouTube، وأمثلة من تونس والعالم العربي، وعناوين فرعية جذابة وصور مناسبة تحت كل جزء.