نعمل لنعيش… أم نعيش لنستمر في العمل؟

بقلم أميمة الماجري
جيل عالق بين راتب يحتاجه وحلم لا يريد أن يخسره
«اشتغل في أي حاجة، المهم تخدم.»
جملة يسمعها كثير من الشباب اليوم، خصوصًا في بداية حياتهم المهنية. لكن ماذا يحدث عندما تكون الوظيفة التي توفر المال هي نفسها الوظيفة التي تسرق الشغف؟ وماذا نفعل عندما يصبح الحلم رفاهية، والاستقرار ضرورة لا يمكن تأجيلها؟
جيل اليوم لا يبحث فقط عن وظيفة، بل يحاول أن يجد إجابة عن سؤال أكثر صعوبة: كيف أبني مستقبلي دون أن أفقد نفسي في الطريق؟


في عالم ترتفع فيه تكاليف الحياة وتتقلص فيه فرص العمل، أصبح الراتب عاملًا حاسمًا في الاختيار المهني. قد يدرس الشاب سنوات في مجال، ثم يجد نفسه يعمل في مجال آخر تمامًا، ليس لأنه تخلى عن حلمه، وإنما لأنه لم يعد قادرًا على الانتظار.
ومع الوقت، يتحول «العمل مؤقتًا» إلى سنوات، ويتحول الحلم إلى جملة مؤجلة: «إن شاء الله نهار آخر نعمل الحاجة اللي نحبها».
لكن ذلك اليوم قد لا يأتي.
هل الشغف ترف؟
لطالما قيل للشباب: «اتبع شغفك».
لكن هل يستطيع الجميع فعل ذلك؟
الشغف يحتاج أحيانًا إلى وقت ومال وتجربة ودعم. ومن لا يملك هذه الأشياء قد يجد نفسه مضطرًا إلى اختيار الأمان بدل المغامرة.


لذلك، ليس عادلًا أن نخبر الجميع بأنهم فشلوا لأنهم لم يعملوا في المجال الذي يحبونه.
أحيانًا، الوظيفة التي لا نحبها هي التي تدفع إيجار البيت، وتساعد العائلة، وتمنحنا فرصة للوقوف على أقدامنا.
لكن المال وحده لا يكفي
في المقابل، يمكن للراتب أن يشتري لنا أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمنحنا الإحساس بالمعنى.
هناك من يصل إلى نهاية يوم عمله وهو متعب، ليس بسبب كثرة المهام فقط، وإنما بسبب شعوره بأنه يقضي ساعات طويلة في حياة لا تشبهه.
ومع تكرار الأيام، يبدأ السؤال:
«هل أنا أبني حياتي، أم فقط أحاول أن أتحملها؟»
وسائل التواصل الاجتماعي زادت الضغط
المشكلة لا تتوقف عند العمل.
كل يوم نشاهد أشخاصًا في أعمارنا يعلنون عن مشاريعهم، نجاحاتهم، سفرهم، سياراتهم أو وظائفهم الجديدة.
نقارن البداية التي نعيشها الآن بالنتيجة التي يعرضها شخص آخر على الشاشة.
فنعتقد أننا تأخرنا.
لكننا لا نرى السنوات التي سبقت الصورة، ولا الظروف التي ساعدت صاحبها، ولا المحاولات التي فشلت.
وهكذا لا يعود الشاب يصارع فقط من أجل العمل، بل يبدأ في الصراع أيضًا مع إحساس دائم بأنه «متأخر».
ربما لا نحتاج إلى ترك كل شيء
الحل ليس دائمًا الاستقالة ومطاردة الحلم بشكل أعمى.
يمكن أن تكون الوظيفة الحالية وسيلة، لا نهاية.
يمكن للإنسان أن يعمل ليؤمّن احتياجاته، وفي الوقت نفسه يتعلم، يطوّر مهاراته، يبني مشروعًا صغيرًا أو يمنح نفسه فرصة لاكتشاف مجال يشعر فيه بأنه أكثر قربًا من ذاته.
فالشغف ليس دائمًا شيئًا نكتشفه فجأة.
أحيانًا نصنعه مع الوقت.
في النهاية…
ربما جيل اليوم لا يعاني من غياب الشغف بقدر ما يعاني من الخوف من المخاطرة.
نحن نريد أن نحلم، لكننا نخاف من الفشل. نريد الاستقرار، لكننا نخاف أن تمر السنوات دون أن نحقق شيئًا نريده فعلًا.
وبين الحلم والراتب، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد مساحة لا نضطر فيها إلى التضحية بأنفسنا بالكامل من أجل البقاء.
فليس المطلوب أن نختار بين المال والشغف دائمًا… ربما المطلوب أن نتعلم كيف نجعل المال يخدم حياتنا، بدل أن تصبح حياتنا كلها في خدمة المال.